
أصدرت المحكمة الجزائية حكماً مهماً في دعوى تضمنت اتهام متهمين بجريمة هتك عرض أنثى بالقوة، مع إسناد تهمة دخول مسكن المجني عليها دون رضاها بقصد ارتكاب جريمة، وانتهت المحكمة إلى براءة المتهمين من الاتهام المسند إليهما، مع إحالة الدعوى المدنية إلى المحكمة المدنية المختصة.ويكتسب هذا الحكم أهمية قانونية كبيرة لأنه يبرز مبدأً جوهرياً في القضاء الجزائي الكويتي، وهو أن الإدانة لا تبنى على الشك أو الاحتمال، وإنما على الجزم واليقين، وأن لمحكمة الموضوع السلطة الكاملة في تقدير الأدلة والأخذ بما تطمئن إليه وطرح ما عداه.
أسند الادعاء العام إلى المتهمين أنهما هتكا عرض المجني عليها باستعمال القوة، كما أسند إليهما أنهما دخلا مسكن المجني عليها دون رضاها بقصد ارتكاب الجريمة. وذكرت المجني عليها في التحقيقات أن المتهمة الأولى حضرت إلى منزلها من الباب الخلفي، ثم حصلت مشادة بينهما، واعتدت عليها بزجاجة ماء فأحدثت بها الإصابات الواردة بالتقرير الطبي، كما نسبت إلى المتهمين واقعة دخول المنزل دون رضا.كما تضمنت الأوراق أقوال شاهدة تعمل خادمة منزلية، وورد بالتقرير الطبي وجود إصابات بالمجني عليها، إلا أن المحكمة عند تمحيصها لجميع عناصر الدعوى لم تطمئن إلى كفاية الأدلة لإسناد الاتهام إلى المتهمين على نحو يقيني جازم.
أكدت المحكمة أن العبرة في المحاكمات الجزائية هي باقتناع محكمة الموضوع بناءً على الأدلة المطروحة عليها، وأن لها أن تزن أقوال الشهود وتقدير ظروف الشهادة وملابساتها، وأن تطرح ما يخالف ما اطمأنت إليه.كما قررت المحكمة أن الأحكام الجزائية يجب أن تبنى على الجزم واليقين لا على مجرد الشبهة أو الاحتمال، وأن مجرد وجود إصابة ثابتة بالتقرير الطبي لا يكفي وحده لنسبة الفعل لشخص معين ما لم تقترن هذه الإصابة بدليل تطمئن إليه المحكمة من باقي عناصر الدعوى.وبمطالعة أسباب الحكم يتبين أن المحكمة لم ترَ في الأوراق دليلاً كافياً يقطع بثبوت الاتهام في حق المتهمين، خاصة مع:
هذا الحكم يقرر عملياً عدة مبادئ قضائية مهمة، أبرزها:
متى تشككت المحكمة في صحة إسناد الاتهام أو لم تبلغ الأدلة مبلغ الكفاية، تعين القضاء بالبراءة.
ثبوت إصابة المجني عليها لا يعني تلقائياً ثبوت نسبة الفعل إلى المتهم، ما لم تؤيد ذلك أدلة أخرى تطمئن إليها المحكمة.
التحريات يجوز للمحكمة أن تعول عليها باعتبارها معززة لما ساقته من أدلة، لكنها لا تصلح وحدها لبناء حكم بالإدانة متى خلت الأوراق من دليل أصلي كافٍ.
إذا رأت المحكمة الجزائية أن الفصل في الدعوى المدنية يقتضي بحثاً مستقلاً بعد القضاء بالبراءة، جاز لها إحالتها إلى المحكمة المدنية المختصة.
هذا الحكم مهم جداً في القضايا الجزائية التي تقوم على:
وهو يبرز أن الدفاع الجزائي الناجح لا يقتصر على الإنكار، بل يركز على إبراز مواطن الشك، وتفكيك قوة الدليل، وإظهار عدم كفاية القرائن للوصول إلى اليقين القضائي المطلوب للإدانة.
يبين هذا الحكم أن المحكمة الجزائية في الكويت لا تقضي بالإدانة لمجرد وجود اتهام أو إصابة أو تحريات، بل تشترط أن تتساند الأدلة وتتكامل بصورة تطمئن معها المحكمة إلى صحة الواقعة ونسبتها إلى المتهم. فإذا اختل هذا الترابط أو بقي الشك قائماً، فإن البراءة تكون هي النتيجة القانونية الصحيحة.كما يوضح الحكم أهمية التفرقة بين وجود واقعة أو إصابة وبين ثبوت نسبة هذه الواقعة إلى شخص معين، وهي نقطة جوهرية كثيراً ما تصنع الفارق في القضايا الجزائية.
مكتب المحامي خالد مفرج الدلماني للمحاماة
محامٍ مقيد أمام المحكمة الدستورية ومحكمة التمييز العليا
– للمواعيد والاستشارات القانونية: 66669028 📞